ابراهيم بن عمر البقاعي
600
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
معروف للإعجاز ، وبني للفاعل في السواد : وَأُوحِيَ إِلَيَّ وحقق الموحى به وشخّصه بقوله : هذَا الْقُرْآنُ ولما كان في سياق التهديد قال مقتصرا على ما يلائمه : لِأُنْذِرَكُمْ أي أخوفكم وأحذركم من اعتقاد شائبة نقص في الإله لا سيما الشرك بِهِ وَمَنْ أي وأنذر به كل من بَلَغَ أي بلغه ، قال الفراء : والعرب تضمر الهاء في صلات « الذي » و « من » و « ما » . وقال البخاري في آخر الصحيح : لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ يعني أهل مكة ، ومن بلغ هذا القرآن فهو له نذير « 1 » علقه بصيغة الجزم عن ابن عباس ووصله إليه ابن أبي حاتم كما أفاده شيخنا في شرحه . وقال عبد الرزاق في تفسيره : أخبرنا معمر عن قتادة أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : بلغوا عن اللّه ، فمن بلغته آية من كتاب اللّه فقد بلغه أمر اللّه « 2 » . وقال الإمام تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي في جواب سؤال ورد عليه سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة في أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم هل بعث إلى الجن - ومن خطه نقلت : الكتاب والسنة ناطقان بذلك ، والإجماع قائم عليه ، لا خلاف بين المسلمين فيه ؛ ثم أسند الإجماع إلى أبي طالب القضاعي وأبي عمر بن عبد البر في التمهيد وأبي محمد بن حزم في كتاب الفصل « 3 » وغيرهم ثم قال : أما الكتاب فآيات إحداها لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ قال محمد بن كعب القرظي : من بلغه القرآن فكأنما رأى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقال ابن عباس - فذكره ، وقال السدي : من بلغ القرآن فهو له نذير ، وقال ابن زيد : من بلغه هذا القرآن فأنا نذيره . وهذه كلها أقوال متفقة المعنى ، وقد أمر نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يقول هذا الكلام وأن ينذر بالقرآن كل من بلغه ، ولم يخص إنسا ولا جنا من أهل التكليف ، ولا خلاف أن الجن مكلفون - انتهى . وسيأتي مما ذكر من الآيات وغيرها ما يليق بالاستدلال على الإرسال إلى الملائكة عليهم السّلام ، فالمعنى : فمن صدق هذا القرآن فقد أفلح ، ومن كذب فليأت بسورة من مثله ، ثم عجزه شاهد على نفسه بالكذب ، وهو شهادة اللّه لي بالصدق ، ولأجل أن اللّه هو الشاهد لم تنقض الشهادة بموت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، بل استمرت على مرّ الأيام وكرّ الأعوام لبقاء الشاهد وتعاليه عن شوائب النقص وسمات الحدث ، وإلى ذلك الإشارة بقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « ما من الأنبياء نبي إلا قد أعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه اللّه إليّ ، فأرجو أن أكون أكثرهم
--> ( 1 ) موقوف . ذكره البخاري 13 / 522 عن ابن عباس بدون إسناد . ووصله الطبري في تفسير 1328 . ( 2 ) مرسل جيد . أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 782 ومن طريقه ابن جرير 13122 عن قتادة مرسلا وإسناده إلى قتادة صحيح فهو مرسل جيد . ( 3 ) كتاب الفصل في الملل والأهواء والنحل ، للإمام ابن حزم علي بن أحمد الظاهري ، ذكر فيه نبذة عن اليهود والنصارى وطوائفهم ، وذكر الفرق الإسلامية مع رد شديد اللهجة على المخالفين .